وأعظم هذه الشعائر: الصلاة، والصيام، فهما من ألصق العبادات بالإنسان المسلم، وأكثر الشعائر ممارسة في واقع الحياة، فالصلاة أفضل عبادة بعد الإيمان بالله تعالى، وهي من أحب الأعمال إليه i ، فلو أدِّيت على وجهها كانت "أفضل ما يُعبِّر عن الشعور بعظمة المعبود وشدة الحاجة إليه،" يقول القرطبي ~ٍٍِِ مبيناً أثر الصلاة الروحي: "والصلاة تشغل كل بدن المصلي، فإذا دخل المصلي في محرابه وخشع وأخبت لربه وادَّكر أنه واقف بين يديه، وأنه مطَّلع عليه ويراه، صلحت لذلك نفسه وتذللت، وخامرها ارتقاب الله تعالى، وظهرت على جوارحه هيبتها".
وهذا الأثر الروحي لا يحصل إلا بحضور القلب، والاستشراف لجبروت الله تعالى وجلاله العظيم مع محبة وطمأنينة وعندها تظهر آثار الصلاة في النفس في صورة إشراق روحي، وتظهر آثارها في الحياة في صورة انضباط سلوكي، ومصداق ذلك قوله تعالى: {…. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ …} [العنكبوت:45]، يعني ينعكس أثرها الإيجابي سلوكاً واقعياً في الحياة، والإسلام حين شرع العبادات أقوالاً وأفعالاً؛ إنما شرعها لتزكي النفس، وتبعثها على التنزه عن السواقط، وتحثها على الكمالات.
ويلحق بالصلاة الوضوء ، فهو من العبادات التي تزكِّي الروح، وتشرح الصدر، وتزيل الأفكار الرديئة، وتمنع التشويشات والقلق، وتشتت الأفكار، كما أن الوضوء على وجهه الصحيح يزيل ما علق ببدن المسلم من أثر المعاصي والخطايا، فتتخفف نفسه من آثار الآثام المظلمة، وترقى روحه، نحو أفق الطهارة والسمو، وتكون رصيداً لتقوية الإيمان بالله تعالى.
وكما أن للصلاة والوضوء آثارهما في النفس والسلوك، فكذلك الصيام، المتضمن الامتناع عن المفطرات بأنواعها خلال النهار، له آثاره الروحية على نفس الصائم، فإن "أصحاب الرياضات والمجاهدات كلما أمعنوا في قهر القوى البدنية وتجويع الجسد قويت الروحانية، وأشرقت أسرارهم بالمعارف الإلهية، وكلما أمعن الإنسان في الأكل والشرب وقضاء الشهوة الجسدانية صار كالبهيمة، وبقي محروماً من آثار المنطق والعقل والمعرفة"، كما أن في الصيام راحة مما يعاني منه غالب الشباب من الضجر والسأم، والإحباط النفسي، إلى جانب الفوائد الصحية المتعددة وأقل فوائده النفسية أنه من أخص خصائص السلوك الإنساني، المُجانب للسلوك الحيواني الذي يتعامل من خلال شريعة معدته، وأقرب ما يكون إلى السلوك الملائكي الروحاني.
منقول للفائدة