سنابل يوسف عليه السلام .. !
بقلم:   د. عبدالعزيز الأحمد   6/4/1431هـ


ولأني في "إيجابيون" أحلق مع الإيجابيين..
ولأني ألزم نفسي أن أسير في معارج القراءة والإطلاع  ..
ولأني بدأتُ ألحظ مع -مرور السنين- بحس أدقّ وأقوى تفاصيل الحياة الأسرية وشئونها ..
فقد كنا في الأسبوع الماضي في حلقة التخطيط الأسري، وقد حلق الحاضرون معنا في أجواء محمسة، حيث عرجنا على أهمية التخطيط في الحياة والأسرة، ومفهوم التخطيط الأسري، الذي يعنى بشؤون الأسرة لتحقيق أهدافها، وكان المشاركون في الأستوديو متفاعلين بشكل جميل، ومن ذلك ما حدث في أحد الفواصل حيث ألمح أحد المشاركين المتميزين إلى أهمية التخطيط الأسري بأنواعه (التربوي والاجتماعي والاقتصادي) مؤيداً ذلك بشاهد قرآني فريد ألا وهو تفسير يوسف عليه السلام لرؤيا الملك، ولقد حدتني إشارته تلك إلى التأمل في الآية، فعجبت مما قرأته من التخطيط النبوي الذي أتى به النبي يوسف عليه السلام، إنها "خطة السنابل": (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ *ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ*  ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ*) ويلاحظ جمال التخطيط وروعته حين أمرهم بالمحافظة على الحب في سنبله ويؤخذ فقط قدر الحاجة الماسة، نظراً لأيام شداد ستأتيهم.


وهناك شرح طيب لهذه القصة في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث قال: (قال "تزرعون سبع سنين دأبا"، أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تشتغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال: "فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون"، أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له، وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال " يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون " ثم بشرهم بأنه بعد الجدب المتوالي سيعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا) انتهى كلامه رحمه الله، ويظهر جلياً في القصة الخطة الحكيمة من قبل يوسف عليه السلام لهم لتدارك أوضاعهم المستقبلية بشكل مخطط له، حيث  تجاوزت مصر –في عهد يوسف عليه السلام- الأزمة الاقتصادية الكارثية، بتخطيط منظم وبعيد المدى.


وإن أهمية التخطيط تزداد في الأسرة العربية خاصة، للضعف الكبير في هذا الجانب لديها، إضافة إلى خطورة إهماله على المدى القريب والبعيد، ولو لاحظنا غالب الناس ممن يكون صاحب دور أسري في البيت (أباً كان أو أماً أو أخاً كبيراً أو أختاً) وتساءلنا هل ثمة تطبيق لهذا المبدأ العظيم في أهداف الأسرة واحتياجاتها المالية والتربوية والاجتماعية وغيرها؟!  هل المسؤول يراعي الظروف الحالية وعلاقتها بالاحتياجات المهمة؟ وهل يعرف الفرق بين تلبية الضروريات والكماليات؟! هل كبار الأسرة يقررون مبدأ (سنابل يوسف) في حاجات أسرتهم وشئونها؟ لوجدنا إجابة مريرة، إذ أن واقع بعض الأسر يظهر فيه الإسراف بشكل واضح في (المال) و(العلاقات) و(الأوقات)، ومع أن الرؤيا وتفسيرها كانت تدور حول الأمن الغذائي والمالي وأهمية التخطيط لذلك .. إلا أنه من الممكن تعميمها على الأمن العاطفي والنفسي والأسري والصحي..والديني أيضاً! بحيث يقدم الأهم على المهم، والواجب على المستحب، والضروري على الكمالي، فكم من قلب كُسر، وعاطفة أُحرقت، وجهد بذل لكماليات طارفة، بينما الأوجب مهمل.. والضروري متروك؟!
وإن كان التخطيط أمراً مهماً للمال والغذاء، فهو أولى بمراحل كثيرة للعواطف والنفوس والعقول والجلسات والاجتماعات، فالأبناء والبنات، والأزواج والزوجات، بحاجة إلى تأطير ذلك في عالم الواقع، إنهم بحاجة إلى مخزون ضخم من العاطفة والمشاعر المخبأة في حنايا الفؤاد، تصرف كل حين، وتمنح إبّان احتياجها!
هم بحاجة إلى الوقت والجلسات، واختزال جنون الغياب وكثرة الترحال، وتعويد النفس على البقاء بهدوء فلربما أتى القادم بما يشغل لزاماً! 
بحاجة إلى ترتيب أوراق الأسرة، وتوضيح المهام وتوزيع المسؤوليات، فأمام كل مخلوق في البيت مستقبل ينتظره، وعالم يترقبه! 
بحاجة إلى خلق الثقة في النفس، والاعتماد على الذات بعد الله تعالى، وتفعيل القدرات في الأبناء، فكم في الغد من نصب ووصب!
وهم أيضاً .. بحاجة إلى ضبط إيقاع العلاقات والصداقات، فإنه متى ما بذل ذاك بشكل مبالغ فيه، انقلب ذلك القرب إلى بعاد، والمودة إلى عداوة..
وهم، بحاجة قوية إلى المبادرة والمبادءة، وتحريك العقل لينفتح ويحاور ويتوافق ويترافق فليست الدنيا لهم غاية في الصفاء والنقاء، ففيها التماثل والتباين، والحب والكره، والإقبال والإدبار..
طبعت على كدر وأنت تريدها   صفوا من الأقدار والأكدار
ومغالب الأيام ضـد طـباعها   متـكلف في الماء جذوة نار

لذلك أيها الإيجابيون، من منكم أراد بناء الإيجابية داخل أسرته وبيئته فحري به تبني التخطيط المناسب لها..وبث ثقافة (سنابل يوسف) عليه السلام فيها حتى يصل إلى القيم الإيجابية الماتعة الرائعة..كما توصل إليها الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف عليه السلام ...فكم في قصته من سنابل .. وسنابل ...فخزنوا حُبّكم وأوقاتكم في سنابلكم، واعتبروا من الأولين، أولم يقلِ الحكيم الخبير: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الأَلْبَابِ)؟!