هبني جلسة أريحية .. !
بقلم:   الدكتور عبدالعزيز الأحمد  
كنان البيت وحيطان المنزل يلفان أفراد الأسرة، فـثمّة أخبار وأسرار.. وصغار وكبار.. وإناث وذكور..وأفراح وجراح.. وآمال وآلام .. وتباعد وتقارب .. وأجساد وأرواح!
 الكل في أكنة الحياة نما، كان رضيعاً يحبو .. ثم فطيما يشدو .. ثم فتى  يعدو .. ثم يدخل في معترك الشباب والصبا .. وتكبر معه قيم الأمانة والعطاء والكفاح ..
وهكذا .. يلتفّ دولاب الحياة، ولفتى يخطب الفتاة.. ومن ثم يشرع بالبناء بعد أن لعب الهوى ومن ثم تبتهج حياتهما بزهور البيت وغزلانه..وفرسانه وفتيانه.. فتفـتّر الثغور عن البسمات .. ويهتف بأعذب الكلمات..
أخايلكِ يا القلب في كل ما أرى        بأرض الهوى طراً وفي روعة البحر
سأبقى وفيا ما حيـيت وإنـما            يذاق جمال الروح بالصدق والبرِّ
وتمر السنوات، وتظهر حينها الاختلافات، وتتعدد الانشغالات، وتتباين الآراء، فتارة بين الغصنين الرطبين (الأم والأب)، وتارة بينهما وبين أولادهما، فيخبو جمال البيت وتضعف جاذبية الأسرة، ويسقط الوالدان في أوائل اختبارات الحياة (التفاعلية) مع الآخر، بعد أن صمتا عن بعضهما دهراً، ليبرز السؤال: أين ذاك التناغم ؟ وكيف ذهب ذاك الهدوء؟ وهل ثمت عين أو سحر أصابنا؟ أم أنها اضطرابات نفسية؟ ونسي الحبيان في غمرة المشكلات أنه لا عين تمت ولا سحر، فرغم حقيقة العين والسحر الشرعية والواقعية إلا أنها (شماعة) لمنهزمي الطباع..وبرأيي أنها عين من نوع مختلف، إنها عين البصر التي عشقت الحياة الذاتية، وانفتنت بسحر المباهج، وبنثر الدراهم في الأسواق، وبالترحال في سفر دائم، وبجلسات أصدقاء أو صديقات، فكيف إذن .. يتأتى وقت من ليل أو نهار للحبيبين مع بعضهما أو مع أولادهما؟
ترى، كم جلسة جلسها الأب مع أولادهما جلسة مفتوحة أريحية؟ لا أقصد الجلسات المربوطة بالطعام والشراب فقط، بل أقصد الجلسات الخالصة للمحادثة فيما بين أسرة، جلسات لا يؤتى فيها بكتاب أو صحيفة ولم يطغى فيه شاشة تلفاز أو جوال!
بل كأني بتلك الفتاة ذات العشر سنوات أو الخمسة عشر ربيعاً وهي تنادي أباها: يا أبت! وماذا بعد جمع المال وكثرة الأسفار؟ هل كتب عليك أن تسمى بالأب الرحّال؟ الغائب معظم النهار؟ الذي إن حلّ فإنما للطعام والشراب والنوم؟ لنتفق معكِ إذن – يا أبتِ- أن نجعل البيت فندقاً لخدمتك وراحتك ولكن بدل دفع المال مقابل السكن ادفع لنا (المشاعر)، ادفعها على شكل مناغاة وملاعبة للصغير، وحديث واحتواء للكبير، نريدك أباً حقيقياً لبعض الوقت .. نرتمي بأحضانك..نلتف بذراعيك..نسمع خفق فؤادك .. نريدك كما انت بدون بهرجة الدنيا .. بدون سياراتها ..بيوتها ..أموالها .. فوالله لضحكة عينك وتقبيل جبينك وشم رائحتك لأغلى من كنوز الدنيا..
هكذا كان لسانه حال الأبناء، لكن ما حال لسان الزوجة التي حظها من زوجها الإطعام والسقاية؟ حتى إن بعضهم أثناء جلسة القهوة اليومية يأتي بمحموله أو يفتح الشاشة ليتابع الأسهم والأخبار حتى لو كان على طاولة الطعام، كأني بها تتنهد عن ضيق مكبوت وحزن عميق.
ويزداد الأمر قسوة وجموداً حينما تعمل الأم هروباً من الواقع أو بحاجة لمصدر رزق، فتنشطر حينها قلوب الفلذات بسيوف الجفاف والعناء، فإذا كان غياب الأب يكدر النهر، فإن غياب الأم يجفف منبعه، وهل النبع إلا ذلك السلسبيل الصافي (الأم الهادئة الرؤوم الحنون الحاضنة).
أيتها الأسر الإيجابية ..
هل رأيتم إنسانا بدون رئتين؟ وجسداً بلا قلب؟! إذن المشاعر والعواطف واللقاء بأريحية هي رئتا البيت وقلب الأسرة! ولئن كان بذل العاطفة من الوالدين أكبر وأظهر، فإن لهما حق .. منه حقاً منه بقدر، حقاً بالشعور وحباً وقرباً وأنساً، سيما من أولادهما، فلهما أفئدة وقلوب وعواطف ومشاعر، و لا تأتي هذه الفيوض إلا ضمن جلسات ولقيا ومحاورات ومداورات، يبث فيها هم النفوس وطموحها، وصبابات القلوب ومشاعرها .. وكأني بكل فرد من أفراد الأسرة سيما البنات والأبناء يهتفون بصوت واحد: هبوني جلسة أريحية ! أليس أولى حينها أن نحفرها داخل لوحة رخام ونعلقها داخل صالون المنزل المشاد، ونجعل توقيعها الأسفل: (الأقربون .. أولى بالجلسات..)؟