النفس الحوَّامة
بقلم:   د.فهد بن سليمان الأحمد  

 مادة ( أ م ن ) في أصلها اللغوي تدل من حيث الجملة على (الأمانة والإيمان والأمن)،وضدها (الخيانة والتكذيب والخوف) . والمتأمل بين أصل الوضع وضده يدرك بجلاء أن النفس البشرية تتأرجح بين الأصل وضده قربا وبعدا ، وإيجابا وسلبا ، وحبا وبغضا ، كما يدرك أن هذه الثنائية تحوم حول الفضيلة والرذيلة ، والحزم والتفريط ، والمبادرة والتسويف فيجتهد إن كان ذو عقل في أن تقع نفسه بعد حَوْمها في أمن وآمان ، ولن يتم لها ذاك إلا بالإيمان بالله وبرسوله ، والصدق في معاملة الناس وحفظ حقوقها ، وهو في حومة نفسه تلك يطير بجناحين يجتهد فيهما بالاقتراب من البداية ، ويبتعد عن النهاية ، ولن تستقر حَوْمَته إلا حين يُوجِد قاسما مشتركا يتمثل في سكون نفسه واطمئنانها .
 والأصل في (الأمن) طمأنينة النفس ، وزوال الخوف عنها . والإنسان بفطرته ينشد الأمن ويتمنى أن يعيش حياة آمنة مطمئنة ، فإذا افتقد عنصري الأمن والأمان عاش قلقا مشتتا يتمنى الخلاص ولا يفكر في شيء إلا الاستقرار النفسي فكيف يسعى نحو الفاعلية والإيجابية ! ناهيك بحاله إذا لم يُهد للفطرة وصار فاقدا للإيمان !.
 مما سبق يلحظ أن العلاقة فاعلة بين البيئة الآمنة والإيجابية في تربية النفس والرقي بها نحو الأفضل في سُلَّم الحياة ، ولا أدل على ذلك من أن الإنسان المؤمن يعيش في مراجعة وجهاد بين نفسه الحوَّامة إذ تأمره بالسوء حينا وتلومه أحيانا فيصل إلى الاطمئنان بها ؛ فهو إذا يتقلب بين نفس أمارة بالسوء ، ونفس لوَّامة ليصل إلى نفس مطمئنة تسعى لنيل الفوز الحق  بجنة الخلود .  
 والإيمان جانب من الأمن والأمان ويعني التصديق وهو من أكثر الألفاظ مجيئا في القرآن الكريم  ، وقد ورد بصيغة الاسم والمصدر والصفة والفعل ، والفعل أكثرها ورودا وقد جاء كثيرا بصيغة (آمنوا) ، وغالبا ما تكون مقرونة بالدعوة إلى العمل الصالح ؛ ولعل هذا يعطي دلالة الجدِّ والعمل وعدم الاتكال والتكاسل ، ويعيش صاحب الإيمان الحق بين الاطمئنان{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب}والبشارة { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} (البقرة:25)، والاستعانة { يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة } (البقرة:153) ، والتحذير { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } (المائدة 5 ) ، ثم يكون الاستقرار حين  حصاد جني الثمرة { الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب }(الرعد 29).
 ولعل هذا هو السر في إدراك السلف رحمهم الله لهذه الحقيقة والتي ترجمتها أعمالهم وأفصحت عنها مقولاتهم ؛ مثل مقولة شيخ الإسلام بن تيمية - رحمه الله- :) إن لله فى الأرض جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة(  ، ومقولة الداراني :( إنه لتأتي على القلب أوقات يرقص فيها طربًا من ذكر الله ؛ فأقول: لو أن أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيش طيب) .
  مما سبق نوقن إنَّ النفس لن ترتاح حتى تجد محضنا آمنا شاملا لجميع جوانب حياتها ، ونجزم أن ذلك لن يتم لها إلا بالصدق في تشخيص الوضع  الراهن لها ، وبالجديَّة في إيجاد البيئة الآمنة ؛ وتؤمن أيضا بأن لها لجامين متكافئين فتحلق بهما في سماء الوسطية بين الغلو والتفريط وبين المحاباة والصراحة وبين الاستمرارية والانقطاع وبين الجدية والهزليةَّ ، ونعتقد بجزم أن ذاك إن لم يكن فهي لن تربح سوى الحَوْم في مكانها .
 
                                                                  د.فهد بن سليمان الأحمد
                                                                       جامعة القصيم